وكان هذا الملك هو النجاشي الذي ذكرته كتب السيرة والحديث بالملك الصالح والذي أسلم وحسن إسلامه، فعندما هاجر المسلمون إلى الحبشة ولحقهم عمرو بن العاص على رأس وفد من قريش ليطالبوا بتسليمهم قال له النجاشي رضي الله عنه: “لا تا الله إذن لا أسلمهم إليكما، ولا يكاد قوم جاوروني ونزلوا بلادي، واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولان اسلمتهم اليهما ورددتهم الى قومهم، وإن كانوا غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني”.

وسمع النجاشي الطرفين وعرف صدق المسلمين وصدق دعوتهم، ورفض طلب وفد قريش عندما قال إنه لن يسلم هؤلاء المهاجرين ولو دفعت قريش “دبر” ذهب، وكلمة “دبر” تعني جبل باللغة التجرينية.

ويقع قبر النجاشي في شمالي إثيوبيا حيث قرية نجاش على بعد 60 كيلومتراً شمال مدينة مقلي عاصمة اقليم تجراي، وهي أول موضع في إفريقيا يدخله الإسلام، ويحيط بتلك القرية عدة قرى أخرى يسكنها أحفاد بعض الصحابة الكرام الذين هاجروا إلى الحبشة واستقروا هناك.

ويقع قبر ومقام النجاشي رضي الله عنه والذي يسميه الناس هناك أحمد النجاشي على قمة هضبة تجعله يقع في بصرك حيثما كنت، ويقع الضريح داخل المسجـد الجديد الذي بني على مقربة من المسجد القديم الذي بناه الصحابة المهاجرون، والـذي يعـتبر أقدم مسجد على الإطلاق، إذ أنه شيد قبل الهجرة النبوية، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة الكرام آنذاك يؤدون صلاتهم بدار الأرقم.

ولا يزال هذا المسجد بحال جيدة وكأنه بني بالأمس، ويتسع لحوالي 400 مصلٍ، مما يشير إلى أن عدد الصحابة المهاجرين كان قريباً من ذلك العدد.

وتوجد بالقرب من المسجد عين ماء حفرها الصحابة الكرام لما وصلوا للحبشة، يشبهها أهل المنطقة ببئر زمزم.

وتذكر بعض المخطوطات القديمة عن هذا البئر أن العطش ألمّ ببقية الصحابة وأهلك بعضهم، وإن الله استجاب دعاءهم وفجّر لهم عين ماء.

وبالقرب من قبر النجاشي رضي الله عنه يوجد ضريح الصحابي عدي بن النضير رضي الله عنه الذي مات قبل النجاشي، وشارك النجاشي نفسه في دفنه. كما توجد خمسة قبور أخرى تضم رفات الصحابة حاطب بن الحارث، وسفيان بن معمر، وعبدالله بن الحارث، وعروة بن عبد العزى.

وعلى بعد 100 متر من ضريح النجاشي، وعلى الضفة الأخرى من نهر عباي، توجد كنيسة “مريم كحدا” وكلمة “كحدا” تعني “رفضت” في اللغة التجرينية، وتذكر المخطوطات أن مريم زوجة النجاشي رفضت الدخول في الإسلام فأقام لها هذه الكنيسة، وفي ذلك دلالة واضحة على التسامح الديني الذي عُرف به النجاشي.

وهذه هي الكنيسة نفسها التي وردت في أحد أحاديث السيدة عائشة رضي الله عنها بأن السيدة أم سلمة والسيدة أم حبيبة رأينها عندما كانا في الحبشة.

والمسجد العتيق الذي لا تتجاوز مساحته 200 متر مربع، تمتد على يمينه، صالة لتعليم القرآن الكريم، وتدريس علومه، وفي الجهة الأخرى، مبان تضم غرفا ومخازن لمشروعات خيرية. وهناك بوابة بجوار المسجد تحمل لافتة تتحدث عن الأثر التاريخي لهذه القرية، وما تحتضنه من رفات صحابة النبي محمد (خاتم المرسلين).

الجهة اليسرى من قبر النجاشي تضم مقابر 15 من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم 10 من الرجال و5 من النساء، وخلفه توجد المقبرة الكبرى لأكثر من 1400 من الأئمة والمشايخ وحفظة القرآن.

وتثبت المخطوطات أن حكم النجاشي وأسرته المسلمة استمر لفترة 320 عاماً ساد فيها العدل، وكان للنجاشي ثلاثة أبناء هم: اريحا، وعبدالله، وأبو نيرز الذي أصبح مولى لعلي بن ابي طالب.

ولما توفي النجاشي أرسل أهل الحبشة وفداً منهم إلى ابي نيرز، وهو مع علي ليتوجوه ملكاً، فقال: ما كنت لأطلب الملك بعد أن منّ الله عليّ بالإسلام.

وتوفي النجاشي في السنة التاسعة للهجرة، ونعاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في اليوم الذي مات فيه وقال للصحابة الكرام: “توفى اليوم رجل صالح من الحبشة فهلموا فصلوا عليه صلاة الجنازة”، فخرج بهم إلى مصلى العيد الذي هو عبارة عن الميدان المتسع المعروف الآن عند أهل المدينة بالمناخة والواقع فيما بين سوري المدينة القديم والجديد، وصفهم خلفه فكشف الله للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أرض الحبشة حتى أبصر سرير النجاشي- أي نعشه- وهو بها فصلى عليه بهم وكبروا أربع تكبيرات واستغفر له.

حينها قال المنافقون: “أنظروا إلى هذا يصلى على علج حبشي نصراني لم يره قط وليس على دينه”، فأنزل الله تعالى هذه الآية: {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم}.. [آل عمران : 199].

ولم يصل على النجاشي رضي الله عنه أحدًا في الحبشة لأن موته كان بعد عودة المهاجرين كلهم إلى المدينة المنورة، ودفن في المكان الذي ذكرناه، وقبره يزار إلى اليوم، وما زال مهبطًا للرحمات، وقد روى أبوداود عنالسيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت: “كنا نتحدث أنه لا يزال على قبر النجاشي نور”.